القرطبي

145

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الحاجب الآخر . فيقول له : نعم أيها الملك ، قد أذن لك ، فيدخل فيسلم عليه ويقول : السلام يقرئك السلام ، وهذه تحفة ، وهذا كتاب من رب العالمين إليك . فإذا هو مكتوب عليه : من الحي الذي لا يموت ، إلى الحي الذي يموت . فيفتحه فإذا فيه : سلام على عبدي ووليي ورحمتي وبركاتي ، يا وليي أما آن لك أن تشتاق إلى رؤية ربك ؟ فيستخفه الشوق فيركب البراق فيطير به البراق شوقا إلى زيادة علام الغيوب ، فيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وقال سفيان الثوري : بلغنا أن الملك الكبير تسليم الملائكة عليهم ، دليله قوله تعالى : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " [ الرعد : 23 - 24 ] . وقيل : الملك الكبير كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رأس ملك من الملوك . وقال الترمذي الحكيم : يعني ملك التكوين ، فإذا أرادوا شيئا قالوا له كن . وقال أبو بكر الوراق : ملك لا يتعقبه هلك . وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الملك الكبير هو [ أن ] ( 1 ) أدناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ) قال : [ وإن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه ربه تعالى كل يوم مرتين ] سبحان المنعم ( 2 ) . قوله تعالى : ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ) قرأ نافع وحمزة وابن محيصن " عاليهم " ساكنة الياء ، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود وابن وثاب وغيرهما " عاليتهم " وبتفسير ابن عباس : أما رأيت الرجل عليه ثياب يعلوها أفضل منها . الفراء : وهو مرفوع بالابتداء وخبره " ثياب سندس " واسم الفاعل يراد به الجمع . ويجوز في قول الأخفش أن يكون ( 3 ) إفراده على أنه اسم فاعل متقدم و " ثياب " مرتفعة به وسدت مسد الخبر ، والإضافة فيه في تقدير الانفصال لأنه لم يخص ، وابتدئ به لأنه أختص بالإضافة . وقرأ الباقون " عاليهم " بالنصب . وقال الفراء : هو كقولك فوقهم ، والعرب تقول : قومك داخل الدار فينصبون داخل على الظرف ، لأنه محل . وأنكر الزجاج هذا وقال : هو مما لا نعرفه في الظروف ، ولو كان ظرفا لم يجز إسكان الياء . ولكنه بالنصب على الحال من شيئين : أحدهما الهاء والميم في قوله :

--> ( 1 ) زيادة يقتضيها المعنى . ( 2 ) جملة : ( سبحان المنعم ) : في الأصل المطبوع . ( 3 ) جملة : : ( أن يكون ) ساقطة من الأصل .